الشريف المرتضى
456
تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )
لأن البشارة بالثواب لا تكون إلا لمستحقه دون من أحبطه وأزاله ، وهذا طريق الاستدلال الذي ما منعنا صاحب الكتاب منه ، وإنما منعناه من ادعاء خروج التائب من الاسم . فأمّا تقسيمه المراد بالآية ، وادّعاؤه أن الإمامة بمعنى إقامة الحدود ، وتنفيذ الأحكام ، لا يدخل تحتها فباطل ؛ لأنّ الظاهر فيه تصريح بذكر الإمامة التي قد فرّق المخاطبون بينها وبين النبوّة ، فلا بدّ من أن يكون محمولا عليها دون النبوّة ، ولسنا ندري في أي موضع بيّن أنّه لا يدخل تحت ذلك الإمامة التي هي بمعنى إقامة الحدود حتّى ادّعى بيان ذلك فيما سلف من كلامه ؟ إن كان ذلك فيه فقد سلف نقضه ، وإن كان فيما يأتي فسيجيىء أيضا بمشيئة اللّه تعالى نقضه ، وما المنكر من أن يكون إبراهيم عليه السّلام نبيّا إماما ويكون إليه مع تبليغ الرسالة إقامة الحدود ، وتنفيذ الأحكام ؟ فإن قيل : من أين لكم أن المراد بلفظة « عهدي » الإمامة ، وهي لفظة مجملة يصحّ أن يعنى بها الإمامة وغيرها . قلنا : من وجهين اثنين : أحدهما : دلالة موضوع الآية على ذلك ؛ لأنّه تعالى لما قال لإبراهيم عليه السّلام : إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً حكى عنه قوله : وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ومعلوم أنه أراد جعل « من ذرّيتي » أئمة ، ثمّ قال عقيب ذلك : لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ فأشار بالعهد إلى ما تقدّم من سؤال إبراهيم عليه السّلام فيه ليتطابق الكلام ، ويشهد بعضه لبعض . والوجه الآخر : إن « عهدي » إذا كان لفظا مشتركا وجب أن يحمل على كلّ ما يصلح له ، ويصح أن يكون عبارة عنه ، فنقول : إن الظاهر يقتضي أن كلّ ما يتناوله اسم العهد لا ينال الظالم ، ويجري ذلك مجرى أن يقول قائل : « لا ينال عطائي الأشرار » في أن الظاهر يقتضي أن جنس عطائه لا يناله شرير ، ولا يختصّ بعطاء دون عطاء ، وهذا الوجه أيضا مبنيّ على القول بالعموم الذي بيّنا انه عمدة الاستدلال بهذه الآية .